احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش لقاءً علمياً وفكرياً خُصص لتقديم ومناقشة كتاب “الوساطة الأسرية في ضوء الخصوصية المغربية” للدكتور زكرياء بوسحاب، رئيس مركز الأسرة المغربية للدراسات والأبحاث، وذلك في سياق الاهتمام المتزايد بإشكالات الأسرة والتحولات الاجتماعية والقانونية التي يعرفها المغرب.
وشكل هذا اللقاء مناسبة أكاديمية لتقاسم رؤى متعددة حول الوساطة الأسرية باعتبارها أحد البدائل الحديثة لتدبير النزاعات الأسرية، وكمقاربة تقوم على التوافق والحوار بدل منطق الخصومة والتقاضي التقليدي، بما ينسجم مع التحولات التي تعرفها بنية الأسرة المغربية.
ولم يقتصر اللقاء على تقديم الكتاب، بل تحول إلى فضاء للنقاش العلمي حول مستقبل الوساطة الأسرية في المغرب، وإمكانية بلورة نموذج وطني يستحضر الخصوصية الثقافية والاجتماعية، ويوازن بين متطلبات العدالة وحماية تماسك الأسرة.
وفي هذا السياق، قدم عدد من الأساتذة والباحثين مداخلات علمية تناولت مختلف أبعاد الموضوع، حيث اعتبر الدكتور عبد الكريم الطالب، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش، أن الوساطة الأسرية أصبحت ضرورة ملحة وليست مجرد خيار نظري، بالنظر إلى تعقد العلاقات الأسرية وتزايد النزاعات ذات الطابع الاجتماعي والقانوني.
من جهته، نوه الأستاذ عبد الجليل لكريفة، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، بأهمية الانفتاح الأكاديمي على القضايا المجتمعية، مؤكداً أن الجامعة مدعوة إلى لعب دور أساسي في إنتاج المعرفة المرتبطة بالواقع وإشكالاته.
كما ساهمت الأستاذة نادية أيوب والأستاذ محمد الويز، أستاذ علم الاجتماع بالكلية نفسها، في تعميق النقاش من خلال مقاربات قانونية وسوسيولوجية أبرزت أهمية بناء تصور مغربي خاص للوساطة الأسرية، يقوم على التفاعل بين المرجعية القانونية والقيم الاجتماعية والثقافية.
أما الإعلامي حسن بمنصور بإذاعة مراكش الجهوية، فقد ركز على الدور الذي يمكن أن يلعبه الإعلام في نشر ثقافة الوساطة والحوار داخل المجتمع، وتعزيز قيم التفاهم والحد من منسوب النزاعات الأسرية.
وشهد اللقاء أيضاً حضور الأستاذ جمال راشد، نائب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمراكش، إلى جانب مجموعة من الباحثين والمهتمين بقضايا الأسرة والوسائل البديلة لحل النزاعات، حيث أجمع المشاركون على أن مشروع الدكتور زكرياء بوسحاب يمثل إضافة علمية مهمة للنقاش الأكاديمي حول الوساطة الأسرية في المغرب.
وقد خلصت مختلف المداخلات إلى أن تطوير الوساطة الأسرية لا يرتبط فقط بإصلاح المنظومة القانونية، بل يتطلب أيضاً ترسيخ ثقافة مجتمعية جديدة قائمة على الحوار والإنصات والتوافق، بما يضمن حماية الروابط الأسرية وتعزيز الاستقرار الاجتماعي.
ويأتي هذا المشروع في سياق دينامية فكرية متنامية تهدف إلى إعادة التفكير في آليات تدبير النزاعات الأسرية، واقتراح نموذج وساطة يستحضر الخصوصية المغربية ويستجيب للتحولات الاجتماعية المعاصرة.