شهد المغرب خلال العقود الأخيرة تحولات جوهرية في مجال حقوق الإنسان، تحولات لم تأتِ صدفة ولا بمعزل عن إرادة سياسية واضحة، بل ارتبطت بشكل وثيق برؤية صاحب الجلالة الملك محمد السادس منذ اعتلائه عرش المملكة سنة 1999. فقد جعل جلالته من النهوض بحقوق الإنسان خيارًا استراتيجيًا، وركيزة أساسية لبناء المغرب الحديث، القائم على الديمقراطية، دولة الحق والقانون، والمواطنة الكاملة.
منذ السنوات الأولى لقيادته، حرص جلالة الملك على تأكيد أن مسار حقوق الإنسان ليس ورشًا ظرفيًا، بل مشروع دولة ومجتمع. ويبرز في هذا الإطار إطلاق هيئة الإنصاف والمصالحة سنة 2004 كخطوة تاريخية غير مسبوقة في المنطقة، هدفها معالجة ماضي الانتهاكات الجسيمة وإرساء مصالحة وطنية تقوم على الاعتراف، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار. وقد شكلت هذه المبادرة نقلة نوعية جعلت المغرب نموذجًا إقليميًا في العدالة الانتقالية.
وبموازاة ذلك، انخرط المغرب بقيادة الملك في تحديث المنظومة القانونية والمؤسساتية لحقوق الإنسان، عبر إصلاح القضاء، وتعزيز دور المجتمع المدني، وتوسيع الحريات العامة، وإعادة هيكلة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، واعتماد سياسات عمومية تهدف إلى تمكين الفئات الهشة، من نساء وشباب وأشخاص في وضعية إعاقة، وترسيخ قيم المساواة والكرامة.
التحول الأكبر جاء مع دستور 2011، الذي شكل محطة مفصلية في مسار الإصلاح. فقد نص دستور المملكة بشكل صريح على جعل حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليًا مرجعية قانونية وسياسية للدولة المغربية، وكرس مبادئ المساواة وعدم التمييز، وسمو المواثيق الدولية، والالتزام بحماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية. كما رسّخ استقلال القضاء، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وعزز دور المؤسسات الوطنية المعنية بالرقابة والإنصاف والوساطة.
هذا الدستور لم يكن مجرد نص قانوني، بل تتويجًا لرؤية ملكية مستمرة تعتبر الإنسان محور السياسات العمومية، والمواطن شريكًا في التنمية، والحقوق والحريات أساسًا لمغرب ديمقراطي متوازن.
ومع توالي السنوات، واصل المغرب بقيادة الملك محمد السادس تنزيل هذه الرؤية من خلال إصلاحات اجتماعية كبرى، شملت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتعميم التغطية الصحية والحماية الاجتماعية، وتمكين المرأة، والدفع نحو عدالة مجالية أكثر إنصافًا.
إن مسار حقوق الإنسان بالمغرب هو ورش مفتوح يتعزز يومًا بعد يوم، بفضل إرادة ملكية ثابتة وبناء مؤسساتي متدرج، يعكس التزام المملكة الراسخ باحترام كرامة الإنسان، وترسيخ دولة القانون، وبناء نموذج تنموي حداثي يجعل المواطن في صلب الاهتمام.
وبهذا، يبقى المغرب اليوم أمام مرحلة جديدة عنوانها الاستمرارية والتطوير، عبر تعزيز المكتسبات، معالجة التحديات، وتوطيد الاختيارات الحقوقية الوطنية، في انسجام تام مع التوجهات الملكية وتطلعات المجتمع نحو غد أكثر عدلاً وازدهارًا.