بقلم :الأستاذ محمد الحجامي
محام متمرن بهيئة المحامين بطنجة
لم تعد فاجعة القصر الكبير مجرد حدث عابر في سياق الكوارث الطبيعية، بل تحولت إلى واقعة كاشفة لخلل عميق في منظومة الوقاية وتدبير المخاطر. فالفيضانات التي ضربت المدينة في أواخر يناير 2026، وما خلفته من خسائر بشرية ومادية جسيمة، أعادت إلى الواجهة سؤال المسؤولية القانونية والمؤسساتية، وأثارت نقاشا مشروعا حول حدود القوة القاهرة وواجب الدولة في الحماية والوقاية.
في هذا الإطار، أصدرت هيئة المحامين بطنجة بيانا حقوقيا لافتا، لم يكتف بالتعبير عن التضامن مع المتضررين، بل تجاوز ذلك إلى مساءلة منطق تدبير الشأن العام. فقد أكد البيان أن ما وقع لا يمكن اختزاله في حادث طبيعي مفاجئ، بالنظر إلى أن المنطقة معروفة بهشاشتها البيئية، وبأن أخطار الفيضانات ليست طارئة ولا غير متوقعة، وهو ما ينقل الواقعة من منطق القدر إلى منطق المسؤولية.
واستحضرت هيئة المحامين بشكل صريح القانون رقم 110.14 المتعلق بتغطية عواقب الوقائع الكارثية، باعتباره إطارا قانونيا يلزم الدولة بالتدخل وجبر الضرر. غير أن دلالة هذا الاستحضار لا تقف عند حدود التعويض، بل تثير ضمنيا سؤالا جوهريا حول مدى تفعيل آليات الوقاية التي يفترضها هذا القانون قبل وقوع الكارثة، وليس الاكتفاء بتطبيقه بعدها.
فالمنظومة القانونية المغربية، خاصة من خلال القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، تمنح للسلطات المحلية والمنتخبة صلاحيات واضحة في مجال الشرطة الإدارية، تشمل الوقاية من الفيضانات، مراقبة التعمير، وتنظيم استعمال الملك العمومي. وهذه الصلاحيات ليست امتيازا إداريا، بل واجبا قانونيا يرتبط مباشرة بحماية الحق في الحياة والسلامة الجسدية. وأي تقاعس في تفعيلها لا يمكن اعتباره مجرد قصور تقني، بل إخلالا بمسؤولية قانونية قائمة.
وفي هذا السياق، يكتسي بيان هيئة المحامين بطنجة بعدا دستوريا واضحا، لكونه ينسجم مع مقتضيات الفصلين 21 و31 من الدستور المغربي. فالفصل 21 يقر حق كل شخص في السلامة الجسدية وحماية حياته في كل الظروف، ويلزم السلطات العمومية بضمان ذلك، بينما يفرض الفصل 31 على الدولة تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير استفادة المواطنات والمواطنين من شروط العيش الكريم، بما في ذلك السكن اللائق والبيئة السليمة. وعليه، فإن أي تقصير في الوقاية من المخاطر الطبيعية أو في تدبير آثارها لا يطرح فقط إشكالا إداريا، بل يمس جوهر الالتزام الدستوري للدولة في صون الحق في الحياة والكرامة.
بيان هيئة المحامين بطنجة، وإن حافظ على لغة مؤسساتية متزنة، إلا أنه حمل رسالة واضحة مفادها أن التدخل بعد الكارثة لا يسقط المسؤولية السابقة عنها، وأن التضامن اللاحق لا يعفي من محاسبة التقصير. فالحق في الحياة، كما يقره الدستور، لا يصان بردود الفعل الظرفية، بل بالوقاية، والتخطيط، والتطبيق الصارم للقانون في وقته.
إن مأساة القصر الكبير، كما عكسها هذا البيان، يجب أن تشكل لحظة مراجعة حقيقية في طريقة تدبير المخاطر الطبيعية، وأن تفتح نقاشا جادا حول تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، بدل الاكتفاء بمعالجة نتائج الفاجعة دون أسبابها. فدولة القانون لا تقاس فقط بسرعة التعويض، بل بقدرتها على منع الكارثة قبل وقوعها، وبشجاعتها في مساءلة التقصير حين يحدث.