عاد إلى واجهة النقاش العمومي بمدينة طنجة ملف التنافي بين المسؤوليات الانتخابية والوظائف داخل الشركات المفوض لها تدبير مرافق حيوية، في لحظة سياسية دقيقة تعيد طرح أسئلة الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة داخل المجالس المنتخبة.
التحريك الأخير لهذا الملف كشف عن وجود مستشارين جماعيين يجمعون بين صفة منتخب وموظف داخل الشركة المفوض لها قطاع الماء والكهرباء، في وضع يثير شبهة التنافي كما ينص عليها القانون التنظيمي للجماعات، ويضع استقلالية القرار الانتخابي على محك حقيقي.
وفي هذا السياق، برز اسم عبد الواحد بولعيش، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، بصفته نائب رئيس مقاطعة طنجة المدينة، وعضو مجلس جماعة طنجة، ورئيس لجنة الشؤون الثقافية والاجتماعية والرياضية، في مقابل اشتغاله بالشركة المفوض لها قطاع الماء والكهرباء، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول تضارب المصالح وحدود الجمع بين المهام.
كما طُرح اسم أنوار الشاعر، الموظف بنفس الشركة، والذي يشغل في الوقت ذاته رئاسة لجنة الشؤون المالية عن حزب الحركة الشعبية بمقاطعة طنجة المدينة، وهي لجنة حساسة ترتبط مباشرة بالميزانيات والصفقات والتدبير المالي، ما يجعل مسألة التنافي أكثر حدة وخطورة من الناحية المؤسساتية.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل شمل الملف أيضًا المستشارة فاطمة الشاوي عن حزب الحركة الشعبية، التي وُضع اسمها ضمن لائحة المنتخبين المعنيين بهذا الإشكال القانوني، في انتظار ما ستسفر عنه المساطر الإدارية والقانونية الجارية.
ويُسجَّل أن تحريك هذا الملف لم يأتِ من فراغ، بل تزامن مع توصل زكرياء أبو نجاة باستفسار رسمي من ولاية طنجة، على خلفية عمله بإحدى شركات النظافة المفوض لها تدبير القطاع، في وضعية اعتُبرت حالة تنافي واضحة، ما فتح الباب واسعًا لإعادة فحص باقي الحالات المشابهة داخل المجالس المنتخبة.
هذا التطور يعيد إلى الواجهة إشكالية “الانتقائية” في تفعيل القانون، ويطرح سؤال المساواة أمام المسطرة القانونية: هل سيتم التعامل مع جميع حالات التنافي بنفس الصرامة، أم أن الأمر سيظل خاضعًا لمنطق ردود الأفعال والضغط الظرفي؟
إن الرهان اليوم لا يقتصر على ذكر الأسماء أو تبادل الاتهامات، بل يتجاوز ذلك إلى ضرورة تكريس منطق دولة القانون، وحماية العمل الانتخابي من أي تداخل مع مصالح الشركات المفوضة، بما يضمن نزاهة القرار العمومي، ويعيد الثقة للمواطن في مؤسساته التمثيلية.
ويبقى الرأي العام الطنجي في انتظار ما ستؤول إليه هذه الملفات، بين تفعيل القانون دون استثناء، أو طيّها كما طُويت غيرها، في مدينة لم تعد تقبل أنصاف الحلول ولا الصمت عن تضارب المصالح.