أفادت معطيات حصلت عليها جريدة اش خباركم من مصادر موثوقة، أن المحكمة الدستورية حسمت في الطعن المقدم من طرف مكونات المعارضة البرلمانية بخصوص مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، وقضت بعدم دستورية عدد من مواده.
وبحسب نفس المصادر، فإن قرار المحكمة همّ إسقاط ست مواد كاملة من مشروع القانون، بعد التأكد من تعارضها مع مقتضيات الدستور، خصوصًا تلك المرتبطة ببنية المجلس الوطني للصحافة، وطريقة تشكيله، وتمثيلية فئة الناشرين، إلى جانب مقتضيات تتعلق بآليات الإشراف وصلاحيات رئيس المجلس.
وأوضحت المعطيات المتوفرة أن قضاة المحكمة الدستورية سجلوا اختلالات دستورية تهم كيفية التمييز بين الانتداب والانتخاب داخل هياكل المجلس، إضافة إلى تجاوزات همّت الجهة المكلفة بإعداد التقرير السنوي المتعلق بحرية الصحافة، معتبرين أن هذه المقتضيات لا تنسجم مع الضمانات الدستورية المؤطرة لحرية التعبير والتنظيم المهني.
ومن المرتقب، وفق مصادر جريدة اش خباركم، أن يصدر القرار الرسمي للمحكمة الدستورية خلال الساعات القليلة المقبلة، بعد استكمال المساطر القانونية المرتبطة بصياغته ونشره.
ويأتي هذا التطور عقب إقدام فرق ومجموعات المعارضة بمجلس النواب، في مستهل الشهر الجاري، على إيداع عريضة طعن لدى المحكمة الدستورية، تطعن في دستورية مشروع القانون رقم 26.25، الذي صادقت عليه الأغلبية الحكومية رغم التحفظات الواسعة التي أثارها داخل البرلمان وخارجه.
وأكدت المعارضة، في مذكرتها الموجهة إلى المحكمة، أن لجوءها إلى القضاء الدستوري لم يكن خيارًا أوليًا، بل جاء بعد استنفاد جميع قنوات النقاش والتعديل داخل المؤسسة التشريعية، في ظل ما وصفته بتجاهل الحكومة لملاحظات الفاعلين السياسيين والمهنيين والمدنيين العاملين في قطاع الصحافة والنشر.
وسجلت عريضة الطعن، وفق ما اطلعت عليه جريدة اش خباركم، أن النص التشريعي الجديد يمثل تراجعًا واضحًا عن روح القانون السابق رقم 90.13، لكونه أضعف منطق التنظيم الذاتي للمهنة، وعزز من حضور منطق التحكم المؤسساتي. كما انتقدت اعتماد معايير رقم المعاملات وعدد المستخدمين في تمثيلية الناشرين، معتبرة ذلك مدخلًا لإعطاء أفضلية غير متكافئة للمقاولات الكبرى على حساب المنابر الصغرى والمتوسطة.
كما تضمنت العريضة دفوعات دستورية تتعلق بالإخلال بمبدأ المساواة، عبر إقرار تمييز غير مبرر بين الفاعلين الإعلاميين والصحفيين، في تعارض صريح مع الفصلين 6 و28 من الدستور. وسجلت المعارضة أيضًا اختلالات مرتبطة بمنظومة التأديب، بسبب حصر الأفعال التأديبية في حالات محددة وإغفال أفعال أخرى أكثر جسامة، بما يمس بمبدأي التناسب والضرورة.
ومن بين النقاط المثيرة للجدل، نبهت المعارضة إلى مسألة تداخل السلط، خاصة من خلال المادة التي تمنح المجلس صلاحية دراسة مشاريع القوانين، معتبرة ذلك مساسًا بالاختصاصات التشريعية والتنظيمية المخولة دستوريًا لمؤسسات الدولة، فضلًا عن ملاحظات تتعلق بالمساطر التأديبية وحقوق الدفاع، في تعارض مع الفصلين 118 و120 من الدستور.
وحسب مصادر برلمانية تحدثت لـجريدة اش خباركم، فقد تم إيداع الطعن بعد استكمال جميع الشروط القانونية، بما فيها جمع توقيعات فرق ومجموعات المعارضة، إلى جانب النواب غير المنتسبين، وهو ما منح العريضة المشروعية الدستورية اللازمة لإحالتها على المحكمة.
وفي السياق ذاته، شددت مكونات المعارضة على أن اللجوء إلى المحكمة الدستورية لا يقتصر على بعده القانوني الصرف، بل يحمل أبعادًا سياسية ومؤسساتية، ترمي إلى تكريس الرقابة الدستورية، وحماية التعددية السياسية والإعلامية، والحد من منطق الغلبة العددية داخل البرلمان.
وأضافت المصادر نفسها أن هذه الخطوة تعكس تشبث المعارضة باحترام المؤسسات الدستورية، وضمان سمو الدستور كمرجعية عليا للتشريع، وصون حرية الصحافة باعتبارها ركيزة أساسية لأي نظام ديمقراطي.
وجاء هذا التحرك بتنسيق مشترك بين مختلف مكونات المعارضة داخل مجلس النواب، التي نجحت في تجميع أزيد من ثلث توقيعات الأعضاء، استنادًا إلى المقتضيات الدستورية والتنظيمية التي تخول لها حق الطعن في القوانين المصادق عليها.
وختمت مصادر من داخل المعارضة، في تصريحات لـجريدة اش خباركم، بالتأكيد على أن مشروع القانون، بصيغته الحالية، يطرح إشكالات حقيقية تتعلق بحرية الصحافة والتعددية الإعلامية، ويتعارض مع عدد من الآراء الاستشارية الصادرة عن مؤسسات دستورية، من بينها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، فضلًا عن مقتضيات دستور 2011.