تدخل زكية الدريوش واحدة من أكثر المراحل حساسية في مسارها المهني، بعدما انتقلت من سنوات طويلة قضتها داخل الإدارة المكلفة بقطاع الصيد البحري إلى موقع المسؤولية الحكومية، في قطاع تتقاطع فيه اعتبارات الاقتصاد والتشغيل وحماية الموارد البحرية والمصالح المهنية.
هذا الانتقال لم يكن وليد مسار قصير، بل جاء بعد أكثر من ثلاثة عقود من التجربة المهنية، تدرجت خلالها الدريوش في عدد من المناصب المرتبطة بتدبير الصيد البحري وتربية الأحياء المائية والصناعات المرتبطة بالقطاع، قبل أن تصبح سنة 2024 كاتبة دولة لدى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، مكلفة بالصيد البحري.
مسار أكاديمي ومهني طويل
بدأت زكية الدريوش مسارها الدراسي بمدينة الدار البيضاء، حيث حصلت سنة 1981 على شهادة البكالوريا في العلوم التجريبية، قبل أن تواصل دراستها ببلجيكا وتحصل سنة 1986 على دبلوم مهندس في التكنولوجيا الحيوية.
كما واصلت تكوينها في فرنسا في مجال الدراسات العليا المرتبطة بالصيدلة، لتنتقل بعد ذلك إلى مسار مهني ارتبط بشكل مباشر بالإدارة والتدبير داخل قطاع الصيد البحري.
ومنذ بداية الألفية، بدأت الدريوش في تحمل مسؤوليات أكبر داخل القطاع. ففي سنة 2005 تولت منصب مديرة صناعات الصيد، ثم عُينت سنة 2008 مديرة للصيد البحري وتربية الأحياء المائية، قبل أن تصل سنة 2013 إلى منصب الكاتبة العامة لقطاع الصيد البحري.
هذا التدرج منحها معرفة دقيقة بتفاصيل القطاع، من تدبير المصايد ومراقبة المنتجات البحرية إلى مواكبة أساطيل الصيد وتطوير آليات التتبع والمراقبة.
حضور في الملفات الدولية
لم يقتصر مسار زكية الدريوش على الإدارة الوطنية، بل امتد أيضاً إلى المجال الدولي، من خلال مشاركتها في هيئات وآليات مرتبطة بتدبير الموارد البحرية والمحافظة عليها.
ومن أبرز محطات هذا المسار ارتباطها بأشغال اللجنة الدولية للمحافظة على التونيات في المحيط الأطلسي ICCAT، إلى جانب مشاركتها في آليات اتفاقية ACCOBAMS الخاصة بالمحافظة على الحيتانيات.
وفي ديسمبر 2025، انتُخبت رئيسة للجنة الدولية للمحافظة على التونيات في المحيط الأطلسي، وهي مسؤولية دولية تعكس مستوى الحضور الذي راكمته في مجال تدبير المصايد والتعاون الدولي.
مسؤولية حكومية في قطاع شديد الحساسية
مع وصولها إلى المسؤولية الحكومية، لم تعد مهمة زكية الدريوش مرتبطة فقط بالتدبير الإداري، وإنما أصبحت أمام تحديات ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وبيئية متشابكة.
فقطاع الصيد البحري يشكل مصدراً أساسياً لفرص الشغل والدخل في عدد من المناطق الساحلية، كما يمثل أحد القطاعات المهمة في الاقتصاد الوطني، في الوقت الذي تواجه فيه الثروة السمكية ضغوطاً مرتبطة بالاستغلال وتغير الظروف البحرية والحاجة إلى ضمان استدامة الموارد.
وتتمثل إحدى أصعب المهام أمام المسؤولة الحكومية في إيجاد توازن بين حماية المخزون السمكي وضمان استمرار نشاط المهنيين.
فقرارات تقليص جهد الصيد، أو تحديد مواسم معينة، أو إغلاق مناطق بحرية، أو تشديد شروط الاستغلال والمراقبة، قد تكون ضرورية من الناحية العلمية والبيئية، لكنها في المقابل تؤثر بشكل مباشر على البحارة والمهنيين ومختلف الفاعلين الاقتصاديين المرتبطين بالقطاع.
بين مطالب المهنيين وحماية الثروة السمكية
هنا تحديداً تظهر صعوبة تدبير قطاع الصيد البحري.
فالإدارة مطالبة بحماية الموارد البحرية وضمان عدم استنزافها، بينما يطالب المهنيون بالحفاظ على قدرتهم على العمل وتحسين ظروفهم المهنية والاجتماعية.
وتزداد هذه المعادلة تعقيداً بالنسبة للصيد التقليدي، الذي يرتبط بشكل مباشر بالاقتصاد المحلي في العديد من المناطق الساحلية، ويشكل مصدر دخل لعدد كبير من الأسر.
ومن ثم، فإن نجاح السياسة العمومية في هذا المجال لا يرتبط فقط بالقرارات التنظيمية، وإنما أيضاً بمدى قدرة الإدارة على الإنصات إلى المهنيين، وتعزيز الحوار مع النقابات والهيئات المهنية، والاستناد إلى المعطيات العلمية الدقيقة عند اتخاذ القرارات.
المراقبة والعلم.. مفتاح تدبير الموارد
من الملفات التي تفرض نفسها كذلك تعزيز البحث العلمي المرتبط بالموارد البحرية، وتطوير أنظمة المراقبة والتتبع، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في مراقبة نشاط الصيد.
فالتدبير المستدام للثروة السمكية يحتاج إلى معلومات دقيقة حول حجم المخزون، وتطور المصايد، ومعدلات الاستغلال، والتغيرات التي تعرفها البيئة البحرية.
وبقدر ما تكون هذه المعطيات دقيقة، تكون القرارات أكثر قدرة على تحقيق التوازن بين حماية الموارد واستمرارية النشاط الاقتصادي.
خبرة إدارية أمام اختبار سياسي
تمتلك زكية الدريوش، بحكم مسارها الطويل، ميزة لا تتوفر بالضرورة لدى كل من يصل إلى المسؤولية الحكومية، وهي المعرفة المباشرة بالإدارة والقطاع من الداخل.
فهي لا تبدأ من الصفر، بل سبق لها أن اشتغلت على عدد من الملفات التي أصبحت اليوم جزءاً من مسؤوليتها الحكومية.
غير أن امتلاك الخبرة التقنية والإدارية لا يعني بالضرورة أن المهمة الحكومية ستكون سهلة، لأن تدبير القطاع على المستوى السياسي يفرض التعامل مع مطالب متعددة ومصالح متباينة، فضلاً عن ضرورة تحقيق نتائج ملموسة في ملفات تمس حياة المهنيين والاقتصاد الوطني والبيئة البحرية في الوقت نفسه.
رهان المرحلة المقبلة
أمام زكية الدريوش مجموعة من الرهانات، أبرزها الحفاظ على الثروة السمكية، تحسين ظروف البحارة والمهنيين، تطوير الصيد التقليدي، تثمين المنتجات البحرية، دعم تنافسية القطاع، وتعزيز المراقبة والتتبع.
كما أن تطوير سلاسل القيمة المرتبطة بالمنتجات البحرية يظل عاملاً أساسياً في رفع القيمة الاقتصادية للقطاع، بدل الاقتصار على استغلال الموارد وتسويقها في صورتها الأولية.
وفي النهاية، فإن مسار زكية الدريوش يقدم صورة لمسؤولة انتقلت إلى الحكومة بعد سنوات طويلة من العمل داخل القطاع نفسه.
لكن الاختبار الحقيقي لمسارها الحكومي لن يكون فقط في حجم الخبرة التي راكمتها، وإنما في قدرتها على تحويل هذه الخبرة إلى قرارات وسياسات تحقق التوازن الصعب بين استدامة الثروة البحرية، ومصالح المهنيين، وحماية البيئة، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز مكانة الصيد البحري داخل الاقتصاد الوطني.
ويبقى قطاع الصيد البحري، بما يحمله من رهانات اقتصادية واجتماعية وبيئية، أمام مرحلة تتطلب قرارات دقيقة وحواراً مستمراً ورؤية طويلة المدى، فيما ستكون تجربة زكية الدريوش الحكومية أمام اختبار حقيقي لمدى قدرتها على تدبير هذه الملفات المتشابكة.