يواصل قطاع الصيد البحري بالمغرب ترسيخ مكانته كأحد القطاعات الاستراتيجية للاقتصاد الوطني، بالنظر إلى مساهمته في توفير الغذاء، وخلق فرص الشغل، ودعم الأنشطة الاقتصادية بالمناطق الساحلية، فضلاً عن دوره في تعزيز حضور المنتجات البحرية المغربية بالأسواق الخارجية.
وتكشف حصيلة سنة 2025 عن تحولات مهمة في القطاع، في مقدمتها تراجع حجم الإنتاج الوطني من المنتجات البحرية إلى حوالي 1.203 مليون طن، مقابل نحو 1.416 مليون طن خلال سنة 2024. ويشمل هذا الإنتاج بشكل أساسي الصيد الساحلي والتقليدي، الذي ساهم بحوالي 1.105 مليون طن، إلى جانب إنتاج الصيد في أعالي البحار الذي بلغ حوالي 64.7 ألف طن.
وتظل الأسماك السطحية في مقدمة مكونات الإنتاج الوطني، بحوالي 909.5 ألف طن، وهو ما يعكس استمرار أهميتها داخل منظومة الصيد البحري بالمغرب.
ورغم الانخفاض المسجل في الكميات، فإن تطور القطاع لا يقاس فقط بحجم المصطادات، إذ تتجه السياسات المعتمدة بشكل متزايد نحو تحقيق توازن بين النشاط الاقتصادي وحماية الثروة البحرية، خصوصاً في ظل الضغوط التي تفرضها التغيرات المناخية على النظم البيئية البحرية.
أسطول بحري وسلامة أفضل
وشهد الأسطول البحري بدوره استمراراً في النشاط، حيث بلغ عدد سفن الصيد في أعالي البحار 347 سفينة، مقابل 407 سفن للصيد الساحلي بالواجهة الأطلسية و165 سفينة بالواجهة المتوسطية.
وفي المقابل، سجل مجال السلامة البحرية تحسناً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، بعدما تراجع عدد الحوادث من 118 حادثاً سنة 2023 إلى 106 حوادث سنة 2024، ثم إلى 86 حادثاً سنة 2025.
ويعكس هذا الانخفاض أهمية الإجراءات المتخذة لتعزيز شروط السلامة والوقاية داخل القطاع، خاصة بالنسبة للعاملين على متن سفن الصيد.
تربية الأحياء المائية.. رهان على تنويع الإنتاج
وبالتوازي مع الصيد البحري، تواصل تربية الأحياء المائية التطور باعتبارها أحد الأنشطة التي يمكن أن تساهم في تنويع مصادر الإنتاج البحري وتخفيف الضغط عن بعض الموارد الطبيعية.
وبلغ إنتاج هذا النشاط خلال سنة 2025 حوالي 3,217 طناً، من بينها 1,989 طناً بخليج الداخلة، ما يؤكد المكانة المتزايدة التي أصبحت تحتلها تربية الأحياء المائية ضمن الرؤية المستقبلية للقطاع.
صادرات بمليارات الدراهم
وعلى مستوى التجارة الخارجية، حافظت المنتجات البحرية على حضورها القوي، إذ بلغت الصادرات خلال سنة 2025 حوالي 774 ألف طن، بقيمة إجمالية ناهزت 26.56 مليار درهم.
وتبرز هذه الأرقام أهمية القطاع في دعم الصادرات المغربية وخلق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني، خاصة مع استمرار الجهود الرامية إلى تطوير سلاسل الإنتاج والتثمين وتحسين جودة المنتجات الموجهة للأسواق الخارجية.
كما بلغت الاستثمارات في القطاع حوالي 1.255 مليار درهم، بالتزامن مع مواصلة العمل على تطوير منظومة التكوين وتأهيل الموارد البشرية بما يتلاءم مع التحولات التي يعرفها القطاع.
أكثر من 132 ألف عامل
ولا تقتصر أهمية الصيد البحري على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى البعد الاجتماعي، خصوصاً في المدن والقرى الساحلية التي ترتبط أنشطتها بشكل مباشر أو غير مباشر بالقطاع.
وقد بلغ عدد العاملين في أنشطة الصيد البحري حوالي 132,948 شخصاً سنة 2025، ما يؤكد الدور الذي يلعبه القطاع في توفير فرص الشغل ودعم الأسر والمجتمعات الساحلية.
الاستدامة في مواجهة التغيرات المناخية
وتفرض التحولات المناخية والبيئية على قطاع الصيد البحري المغربي تحديات جديدة، من بينها الحفاظ على الثروة السمكية، والتكيف مع تغير النظم البحرية، وضمان استمرارية الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالبحر.
وفي هذا السياق، أصبح تحسين الحكامة وترشيد استغلال الموارد وتعزيز المراقبة والسلامة والاستثمار في البحث والتكوين عناصر أساسية لبناء قطاع قادر على مواجهة التحديات المستقبلية.
نحو قطاع أكثر مرونة
وتشير حصيلة سنة 2025 إلى أن مستقبل الصيد البحري المغربي لن يرتبط فقط بزيادة حجم الإنتاج، وإنما بمدى قدرة القطاع على تحقيق معادلة متوازنة تجمع بين حماية الموارد البحرية، وتحسين مردودية النشاط، ورفع قيمة المنتجات، وتطوير تربية الأحياء المائية، وتعزيز السلامة وتأهيل العنصر البشري.
وبقدر ما تفرض التغيرات المناخية ضغوطاً متزايدة على القطاع، فإن تعزيز الحكامة والاستثمار والتكوين وتنويع الأنشطة يمكن أن يشكل رافعة أساسية لجعل الصيد البحري المغربي أكثر قدرة على الصمود، وأكثر تنافسية، وضمان استدامته للأجيال المقبلة.