في ظل وضعية مناخية استثنائية تتسم بتصاعد منسوب المخاطر، اختارت الدولة المغربية منطق الاستباق والحزم بدل الانتظار، مُفعِّلةً تعبئة شاملة لمواجهة الفيضانات التي تشهدها عدد من مناطق المملكة، وعلى رأسها أقاليم الشمال، حيث بلغ منسوب الأودية والمجاري المائية مستويات غير مسبوقة.
فوفق تصريح رسمي للناطق باسم وزارة الداخلية، جاءت هذه التدخلات في إطار تتبع دقيق ومستمر للوضعية المناخية، وتفعيلاً لمقاربة وقائية تهدف إلى حماية الأرواح قبل الممتلكات، في لحظة لم يعد فيها مجال لأي ارتجال أو تهاون في اتخاذ القرار. تعبئةٌ ميدانية واسعة النطاق جرى تنزيلها بتنسيق محكم بين مختلف القطاعات، وبتنفيذ مباشر للتعليمات الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
وقد شملت هذه التعبئة نشر وحدات من القوات المسلحة الملكية، إلى جانب مصالح وزارة الداخلية وباقي المتدخلين، لتأمين عمليات الإجلاء والنقل وضمان سلاستها، مع تسخير الإمكانيات اللوجستيكية والموارد البشرية الضرورية، في سباق مع الزمن فرضته خطورة الوضع.
الأرقام وحدها كفيلة بعكس حجم التدخل: أكثر من 108 آلاف شخص تم إجلاؤهم إلى حدود صباح اليوم، غالبيتهم بإقليم العرائش، خاصة بمدينة القصر الكبير، حيث غادر حوالي 85 في المائة من السكان بوسائلهم الخاصة، في مشهد يعكس درجة الوعي الجماعي بخطورة المرحلة. كما شملت عمليات الإجلاء أقاليم سيدي قاسم، سيدي سليمان، والقنيطرة، وفق مقاربة تدريجية تراعي درجات الخطورة وحجم الأضرار المحتملة.
ولم تقف التدخلات عند حدود الإجلاء، بل واكبتها إجراءات ميدانية لإنشاء مخيمات للإيواء وفضاءات للاستقبال، وتوفير الدعم الضروري للساكنة المتضررة، في محاولة لتقليص آثار هذه الظرفية القاسية وضمان الحد الأدنى من شروط السلامة والكرامة الإنسانية.
غير أن الأخطر، حسب المعطيات الرسمية، لم يأتِ بعد. فالنشرات الإنذارية تحذر من تساقطات مطرية قد تصل إلى 150 ملم في ظرف وجيز، وما قد يترتب عنها من واردات مائية استثنائية، خاصة على مستوى سد وادي المخازن، الذي سجل ارتفاعاً قياسياً في حقينته، محدثاً ضغطاً كبيراً على منشآته.
أمام هذا السيناريو، اختارت وزارة الداخلية لغة الوضوح والحسم، موجّهةً نداءً عاجلاً إلى ساكنة عدد من الجماعات التابعة لإقليم العرائش، من بينها القصر الكبير والسواكن وأولاد أوشيح، إضافة إلى المنطقة الصناعية والمناطق المحاذية لمصب وادي اللوكوس، من أجل الإخلاء الفوري والامتثال الصارم لتعليمات السلطات، حمايةً للأرواح قبل فوات الأوان.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد حالة طقس عابرة، بل اختبار حقيقي لنجاعة التدبير العمومي في لحظات الخطر. فالدولة أعلنت التعبئة، ووضعت الإمكانيات، واتخذت القرار. ويبقى الرهان الأكبر هو الانخراط الجماعي والمسؤول في تنفيذ هذه التدابير، لأن الكلفة الإنسانية لأي تهاون ستكون باهظة.