بين أزقة المدينة القديمة لطنجة، حيث تختلط رائحة التاريخ بنبض الحياة اليومية، يبرز مرفق صحي عمومي في صورة مغايرة لما ألفه المواطن والزائر على حد سواء. مراحيض عمومية نظيفة، مرتبة، وتحترم شروط السلامة الصحية، أصبحت متنفسًا حقيقيًا للزوار والسياح، وراحة ضرورية لساكنة الحي، خصوصًا في ظل الإقبال المتزايد الذي تعرفه المدينة استعدادًا لاحتضان فعاليات كبرى من حجم كأس إفريقيا.
هذا النموذج الإيجابي يطرح، في المقابل، سؤالًا جوهريًا حول إشكالية المواكبة والاستدامة: كيف يمكن الحفاظ على نظافة هذا المرفق وجودته في غياب تدبير مؤسساتي واضح؟ وكيف يمكن ضمان استمراريته بنفس المستوى الذي جعله محل إشادة الجميع؟
اللافت في هذه التجربة ليس فقط نظافة المكان، بل القصة الإنسانية التي تقف وراءها. متطوعة من أبناء الحي، اختارت أن تتحمل مسؤولية العناية اليومية بهذا المرفق بإمكانيات محدودة، وبإرادة قوية تعكس أسمى معاني المواطنة. تعتمد هذه السيدة على مساهمات رمزية من مستعملي المراحيض، دراهم معدودة تُخصص لاقتناء مواد وأدوات النظافة، وإجراء إصلاحات بسيطة، وما تبقى يشكل موردًا متواضعًا لمعاشها اليومي.
ورغم بساطة الوسائل، فإن النتيجة كانت لافتة: مرفق صحي عمومي نظيف، منظم، ويحترم كرامة الإنسان، وسط فضاء تاريخي يعج بالحركة والسياحة. صورة حضارية تعكس وجه طنجة الذي يطمح إليه الجميع، مدينة تحترم زوارها وتعتني بفضاءاتها العمومية.
من هنا تبرز ضرورة تدخل المؤسسات المعنية، سواء الجماعة الترابية أو القطاعات الوصية أو حتى الفاعلين الاقتصاديين، للمساهمة في تدبير هذا المرفق الصحي العمومي. دعم هذه المبادرة، وتأطيرها، وتوفير شروط الاستدامة لها، لن يكون فقط اعترافًا بمجهود فردي صادق، بل استثمارًا في صورة المدينة وسمعتها، خاصة في سياق رهانات كبرى تفرضها التظاهرات القارية والدولية.
إن هذا المرفق، بما يقدمه من خدمة وبما يحمله من دلالات، أصبح نموذجًا يُحتذى به داخل مدينة طنجة، ودليلًا على أن المبادرات البسيطة، حين تقترن بالمسؤولية والضمير، قادرة على إحداث فرق حقيقي في الفضاء العام.