في زحام الحياة وتسارع الإيقاع الحضري، ما تزال أزقة المدينة العتيقة بطنجة تحتفظ ببعض ملامح البساطة التي تمنح المكان روحه الخاصة. هناك، بين الجدران العتيقة وروائح التاريخ، يلفت الانتباه بائع الجبن والزبدة البلدية، وهو نموذج لمهنة تقليدية آخذة في الاندثار، لكنها لا تزال تقاوم النسيان بصمت ووقار.
يجلس البائع خلف طاولته الخشبية المتواضعة، يعرض منتوجاته المحلية بعناية لافتة؛ جبن عربي بلدي وزبدة تقليدية تفوح منها رائحة الأصالة. منتجات لا تحمل علامات تجارية ولا أغلفة فاخرة، لكنها تختزن في طعمها حكاية الشمال المغربي، حيث المهارة اليدوية والتقاليد المتوارثة جيلاً بعد جيل.
هذه المهنة البسيطة تشكل اليوم جزءًا من المشهد الثقافي للمدينة القديمة، وتمنح زوار طنجة انطباعًا جميلًا عن عمق الهوية المحلية. فالسياح، خصوصًا الأجانب منهم، يتوقفون بدافع الفضول لاكتشاف هذا المنتج التقليدي، ويبدون إعجابهم بطريقة عرضه وبنقائه الطبيعي، معتبرين الجبن العربي منتوجًا فريدًا يميز مدن الشمال عن غيرها.
ورغم التحديات التي تواجه هذا النوع من الأنشطة التقليدية، بفعل انتشار المنتجات الصناعية وتغير أنماط الاستهلاك، فإن الإقبال المتزايد من زوار المدينة يمنح هذه المهنة نفسًا جديدًا، ويعيد الاعتبار لقيمة البساطة والمنتوج المحلي. إنها بساطة لا تعني الفقر، بل تعكس غنى ثقافيًا وتراثيًا يجعل من طنجة مدينة تتقاطع فيها الحداثة مع ذاكرة المكان.
هكذا يظل بائع الجبن والزبدة البلدية شاهدًا حيًا على زمن جميل، وزاوية صغيرة من زوايا المدينة القديمة التي تذكرنا بأن البساطة، حين ترتبط بالأصالة، تتحول إلى عنصر جذب وسحر لا يزول.


