في خطوة لافتة داخل المشهد الحزبي المغربي، اختار عزيز أخنوش أن يغادر واجهة القيادة الحزبية وهو في ذروة النفوذ السياسي، مقدّمًا قراءة مختلفة لمعنى المسؤولية والالتزام المؤسساتي. رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار حسم الجدل مبكرًا، وأعلن بشكل واضح أنه لن يطلب تجديد الثقة لولاية ثالثة على رأس الحزب، واضعًا حدًا لأي تأويلات أو سيناريوهات كانت تراهن على تعديل القواعد الداخلية.
القرار، الذي كُشف عنه خلال اجتماع المكتب السياسي المنعقد صباح الأحد، جاء في سياق سياسي تتجه فيه بعض التنظيمات إلى إعادة تفصيل أنظمتها الداخلية على مقاس قياداتها، بينما اختار أخنوش سلوك طريق مغاير، يقوم على احترام صارم لمقتضيات النظام الأساسي الذي يحصر رئاسة الحزب في ولايتين متتاليتين، دون استثناءات.
مصادر من داخل الحزب تؤكد أن أخنوش لم يترك مجالًا للنقاش حول إمكانية التمديد، ورفض بشكل قاطع أي مقترح يهدف إلى فتح الباب أمام ولاية إضافية، معتبرًا أن جوهر الديمقراطية الحزبية لا يستقيم إلا بالتداول على القيادة وتجديد النخب، بعيدًا عن منطق “الزعيم الدائم” الذي يُضعف الأحزاب ويقوض ثقة المواطنين في العمل السياسي.
وفي كلمته خلال الاجتماع ذاته، عبّر أخنوش عن ثقته في قدرة حزب التجمع الوطني للأحرار على الاستمرار بنفس الزخم التنظيمي والسياسي، مؤكدًا أن ما راكمه الحزب خلال السنوات الماضية يجعله مؤهلًا للحفاظ على موقعه المتقدم وخوض الاستحقاقات التشريعية المقبلة بثبات، مستحضرًا مسارًا بدأ سنة 2016 وتوّج بتصدر انتخابات 8 شتنبر 2021 وقيادة الحكومة.
كما شدد رئيس الحكومة على أن المرحلة التي قاد فيها الجهاز التنفيذي كانت موجهة أساسًا نحو ترسيخ أسس الانتقال الاقتصادي والاجتماعي، ومواجهة تحديات داخلية وخارجية معقدة، معتبرا أن الحكومة الحالية نجحت في إرساء أرضية صلبة تضمن استمرارية تنزيل الأوراش الملكية الكبرى، بغض النظر عن هوية الحكومات القادمة.
وبهذا الموقف، يبعث أخنوش برسالة سياسية واضحة مفادها أن قوة الأحزاب لا تُقاس بطول بقاء قياداتها، بل بمدى احترامها لقواعدها الداخلية وقدرتها على تجديد ذاتها، في زمن تتزايد فيه مطالب الشفافية والمصداقية داخل الحقل الحزبي المغربي.